فاتحة الاشكالية
"إن الواقع في وقته هو الصحيح والمعقول " بهذه العبارة المستخفة، بررالفيلسوف الألماني هيغل واقعه التاريخي لكن جدليته المخاتلة التي تقول أن الواقع يتغير في الغد كانت تضمر سوء نية للنظام الملكي البروسي القائم الذي كان يستظل يومها بظله،لأن الواقع حسب هيجل:شيء يتحرك ديناميكي ومنطقي .
ولكني عندما أقرأ جدلية هذا الفيلسوف الألماني أجدها تناقض نفسها بنفسها ولا أتردد في مناقضتها منذ البداية مجاهرا:إن الواقع في وقته هو الخطأ وغير المعقول " ومهما يكن وقعهاعلى الأسماع والاذهان فإني سأكون مستعدا نفسيا لكل الاحتمالات والتوقعات.. وبقدر ما أريد المغامرة بنبش الأفكارالسائدة والمسيطرة على الأذهان والمطوقة لكل رأي مخالف ولكل فكرة مغايرة والمصادرة لأي حق في الاختلاف فإني لاأريد أن أهدم الأصنام الماثلة في عقول الناس لأبكي على أطلالها، بقدر ماأريد البناء وزرع بذور أمل جديدة لتنبت واقعا آخر مغايرا ويفترض أن يكون أفضل ..
وإذا كان ذلك كذلك، وجب التحرك والمبادرة لبلورة تصور هذا الواقع في الأذهان والعمل على تحقيقه في الميدان بكل السبل والتضحيات الممكنة..
وفي الخطوة الأولى لابد أن أعاين الوضع واصفا بكل صدق ما أشعر به، ككائن يحاول جاهدا بالارادة والايمان أن يكون له حضوراجتماعي ثقافي/ وتشاطرني في هذا الشعور ذوات عارفة ونازفة، متفرقة هنا وهناك كحبات اللؤلؤ، تفكر بصمت- خوفا أولامبالاة - وترفض الافصاح عن مكبوتاتها أو أحلامها /.. ككائن حي يفكر ويتطلع إلى الأحسن والأفضل، يعي وضعه جيدا.إنه ليس على مايرام .
بكل صراحة، إنه فوضى وعبث..
ثورة من أعظم الثورات في العالم تعلم الشعوب المضطهدة كيف تتحرر من الاستعمار الاستيطاني الكلاسيكي وتطرده إلى الضفة الأخرى من حيث أتى، وتعجز عن بناء نموذج دولة مستقلة ينعم شعبها بخيراتها الكثيرة . ثورة سرعان ماخمد أجيج بركانها و تبخرت ايديولوجتها الثورية ورمت المنشفة بعد تحرير تراب الوطن وتركت الانسان فريسة للثورة المضادة، تروضه ليتحول مع مر السنين من بطل تاريخي ثوري عرف كيف ينكر ذاته ويؤدي واجبه المقدس و يخرج الغزاة من ترابه إلى كائن كوميدي بهلواني، لاهو بالبهيمة ولاهو بالانسان فهو بين بين ، سلوكاته بهيمية وشكله إنساني، وارتاينا أن نطلق عليه مجازا اسم: "البهسان" فهولم يستطع أن يكون بهيمة بأتم معنى الكلمة ولم يستطع أن يكون إنسانا أيضا. ومن هنا تكمن أزمته أو مشكلته الحقيقية.فهو كائن مشوه مذبذب الشخصية ولذلك تراه يتقمص شخصيات مختلفة ويظن نفسه يعيش شخصيته من خلال شخصيات الآخرين.. وهو ممزق الهوية "الريح اللي يجي يديه " مشتت الأفكار تتجاذبه المذاهب والايديولوجيات. وهوبدون ارادة لأن ارادته سلبت منه وأصبح مثل الطفل غير الراشد الذي يحتاج إلى من يتكفل به. وهو يعيش بدون غاية لأنه يعيش بدون هدف وليس له رسالة في الحياة والوجود يفترض أن يجتهد ويكرس وقته وجهده لتبليغها ولذلك فهو عبثا يعيش فقط من أجل أن يحقق شروط المعادلة البيولوجية: يعيش ليأكل ويشرب ويتناسل.. و يتقوقع على نفسه خوفا من الآخر المتربص به الذي يريد أن يستولي على ممتلكاته ولذلك فهو لايعرف هذا الآخر ولايشخصه ولايستعد لمواجهته، ولايحاول فهمه ..
إن اللاستقرار عامل حاسم في الوضع الذي آلت إليه الدولة/اللادولة من تمزق وتفسخ وخراب وانعدام التراكم، فكل عشرية تنقلب على عشرية بطريقة "ستالينية" قمعية تخويفية تخوينية..
وهكذا دواليك، بقيت السلطة تتداول وتتأرجح بين مجموعات غير متجانسة وغير مؤهلة لوضع استراتيجية للبناء الحضاري الجاد تنشغل دائما بالأمور الوهمية وتنسى الدور الفعلي وهو البناء الجاد..
فمن نموذج لادولةالمنفى: الحكومة المؤقتة، إلى النموذج الناصري: للسيد ابن بلة إلى النموذج الثوري الاشتراكي: لبومدين إلى النموذج الليبيرالي: للشاذلي إلى نموذج الاستنجاد بالشرعية الثورية: لبوضياف إلى نموذج الورطة الخماسية: لبدعة المجلس الأعلى للدولة. إلى نموذج الاستنجاد بالجنرال النزيه زروال إلى نموذج الرجل السابع/المهدي/ المنقذ لبوتفليقة ..
كلها نماذج اللادولة الانقلابية،المتناقضة التجارب، المتآمرة على بعضها البعض، والناسخة لبعضها ..
قوانين ودساتير ومواثيق ولكنها بقيت حبرا على ورق، والحقيقة أن المشكل الأساس ليس في ندرة النصوص القانونية وإنما في تطبيقها. لأن من يسن تلك القوانين والدساتير والمواثيق يكون أول من يدوس على ماسنه، ويرمي بما سنه سابقه إلى الاهمال، ويقول : "فولي طياب"..
وهنا يبدأ المشكل حيث تنعدم القدوة العنصر المحفز والفعال لكل فعل جاد .
فلا نعجب إذا وجدنا"البهسان"الجزائري يقوم بتقليد أولي الأمر فيدوس بدوره على تلك القوانين والدساتير وغيرها من القرارات الفوقية، النابعة من حاجة المسؤولين دون غيرهم، ويخلق قطيعة أبدية مع لادولته، ولهذا ينشىء علاقاته الخاصة في الظل لانه بصراحة لايثق فيمن نصبوا أنفسهم حكاما عليه ويرى فيهم امتدادا للدول الاستعمارية المتداولة عليه منذ فجر التاريخ وليس في نيتهم سوى سحقه وإذلاله واستغلاله ...
هذا "البهسان" يمارس تاريخيا التقية مع حاكميه: فإن رفعوا له شعار الاشتراكية أصبح ظاهريا أكثراشتراكية من الاشتراكيين أنفسهم وإن رفعوا له شعار الليبرالية أصبح أكثر ليبرالية من الليبيراليين أنفسهم وإن رفعوا له شعار الدين أصبح أكثر تدينا وتعصبا من شعوب الأرض قاطبة، وفي السر يطبق ما يقتنع به وما يرضي شهواته ومصالحه ...
في غياب الدولة أوتغييبها، وفرض محلها اللادولة الانتقالية الديكتاتورية على "البواطن"/"البهسان" المغلوب على أمره والتي أفرزت تقاليد الانتخابات المزورة و المؤسسات المزورة والمسؤولين المزورين الذين يسيرون شؤون الناس حسب أهوائهم وشهواتهم دون حسيب أو رقيب ..
في غياب القيم الأخلاقية والمعايير، والسلم التراتبي، لم يعد هناك فرق بين العالم والجاهل، بين الكبير والصغير، بين الصالح والطالح، بين الشرير والخير، بين الخائن والوفي، بين الجميل والقبيح، بين القادر والعاجز، بين المبادر والخامل ..
في ظل التسريحات الجائرة والخصخصات المشبوهة، وبيع الفيلات والهكتارات بالدينار الرمزي والاغتيالات وتصفية الحسابات بين الزمر السياسية وأصحاب المال والمصالح والبارونات غير الخاضعين للرقابة وللقوانين، والعابرين للحدود والقارات بدون حسيب أو رقيب، والمبيضين للأموال المنهوبة والمسلوبة في البنوك السويسرية وغيرها من الدول المترفة، ونشر فضائح" الجنرالات" على صفحات الجرائد الحرة..
في ظل تشتت الأحزاب المخابراتية وبحثها عن مصالحها "المعوية" الآنية على حساب مصالح "البواطن"/"البهسان" الغائب التائه الفاقد لوعيه والعاجز عن أية مبادرة لاخراج نفسه من المتاهة التي أدخل فيها مجبرا ..
وفي ظل غياب نخبة متنورة متوحدة حول مشروع مجتمع ..
وفي ظل غياب معارضة قوية تحمل البديل الحضاري الايجابي للرداءة السائدة..
في ظل كل هذه الظروف المتراكمة على رأس "البواطن"/"البهسان"، ماذا عسانا نفعل والوضع متعفن إلى درجة لايمكن أن يتصورها عاقل.
أربعون سنة تمر هكذا سراعا لينزل المجتمع إلى الحضيض رغم مايملكه من ثروات مادية وثروات بشرية، ولكنها بقيت مجرد ثروات معطلة تتآكل مع الزمن والحاكمون المتحكمون فيها،للأسف، لم يستطيعوا- لانعدام الكفاءة – استثمارها في الواقع كرأسمال فعلي منتج، وحولوها الى نشيد وطني رسمي يتغنون به صباح مساء ..
أربعون سنة كانت كافية لتجعل من دول أقل منا شأنا وجاها ضمن الدول الكبرى المصنعة والمتفاعلة مع الاقتصاد العالمي ..
أربعون سنة كاملة قادرة على خلق المعجزات، ولكنها بالفعل صنعت المعجزات السلبية في بلد المعجزات ...
لأن أوج أنانية اللادولة الانتقالية، هوالنموذج "الفرونكشطاني" الذي انتهى به المطاف في العشرية الأخيرة- هروبا من حل المشاكل الحقيقية المطروحة- إلى حتمية المواجهة بين الاخوة الأشقاء في حرب أهلية بلهاء لتلهية السذج، ولكبح جماح أي وعي متصاعد بديل للمهزلة. كل ذلك من أجل القفز علىالحقائق التاريخية الموضوعية إلى نموذج الدولة العصرية الديموقراطية المزعومة. لحرق الأشواط والارتماء في أحضان وهم العولمة.
وجوهرالاشكالية: كيف تبنى الدولة العصرية الديموقراطية بدون حكام ديموقراطيين وبدون مواطنين ديموقراطيين ؟
كتبها كمال قرور كاتب وصحفي في 05:57 مساءً ::




الاسم: كمال قرور كاتب وصحفي


