أسس الدولة الراعية
1ـ السلطة في الدولة الراعية ..
السلطة في الدولة الراعية ليست غاية للتمظهر والجاه والاثراء، إنماهي وسيلة للعطاء والخدمة وحسن التسيير والتدبير، كل مواطن فعال له الحق في السلطة ومن حقه أن يطمح إليها في الاطار القانوني المشروع للدولة. وحتى يتسنى له ذلك عليه أن يرتقي بنفسه إلى مستوى نخبة القيادة الحكيمة وذلك عن طريق الفضيلة والعلم والخبرة والفعالية.
إن مؤهلات المواطن الفعال هي التي تنتخبه ليصعد إلى هرم القيادة وليست الجهوية والمحسوبية وليست الشرعيات الزائفة.. لأن السلطة في الدولة الراعية: لا تورث ولا تهدي ولا تغتصب، مثلما يحدث في الدولة "الرعاعية" .
ولذا فالدولة الراعية لن يستولي عليها كل من تتشوق نفسه للسلطة وللاستبداد والفساد.
والحاكم الراعي هو الحاكم المسؤول القادر على خدمة الشعب، ولايشبه المتحكم "المرعون" غير المسؤول. لأن الأول تتوفر فيه الشروط الموضوعية للحكم، فهو يحمل برنامجا واقعيا واضحا لخدمة واسعاد المواطنين، وهذا البرنامج يكون قابلا للتنفيذ الفوري بعيدا عن التسويف والوعود الكاذبة.. اما الثاني فيأتي ليحكم ويتحكم وينهب الخيرات دون حسيب أو رقيب.
والحاكم الراعي للدولة الراعية عندما يقبل أن يترشح فمن أجل أن يخدم الشعب ويسهر على راحته وعلى سعادته، وليس من أجل أن يتحكم و يتسلطن ويتفرعن ويتجبر ويستعبد الشعب. ينام في قصره ويحيط نفسه بالخدم والعسس ويسلط المخابرات على المواطنين.. إن قوة الحاكم الراعي مستوحاة من روح المواطنين الفعالين الذين يحكمهم ومن وعيهم، وليس من أية جهة كانت، وأمام هؤلاء المواطنين يشحذ ضميره ويعترف بأخطائه إن أخطأ.
والحاكم الراعي ليس منزها عن الخطأ مادام يعمل ويجتهد من أجل صالح مواطنيه، ولذلك وجب عليه تصحيح الخطأ متى وقع فيه وبدون خجل أو تردد أو تكبر .
لقد حان الوقت لنبشر ونجاهر بأن الشعب في عصر المعرفة الأزرق، عصر المواطن الفعال لم يعد حمارا يركبه أي كان. وليس قطيعا يسوقه أي أحد أنى شاء.
يجب أن يدرك المتحكمون ذلك ..
2 ـ دور السلطة في المجتمع ..
تتدخل السلطة في بداية الأمر لوضع معالم ولبنات وأسس المشروع الحضاري المتفق عليه بين المواطنين الفعالين، وتقوم بالتوجيه الايجابي حتى ينطلق المشروع في الوجهة الصحيحة ثم ترفع يدها وتترك المواطنين الفعالين يبادرون بأنفسهم. وأحسن مرحلة تصل إليها السلطة عندما ترفع يدها عن المجتمع وتصبح مراقبة عن بعد، فقط ، لحفظ النظام العام.
3ـ النظام الأحسن ..
النظام يجب أن يحترم حرية المواطن الفعال ويحافظ على كرامته، ومن حق المواطنين أن يبدلوه متى شعروا باستبداده أو بتهاونه في رعاية شؤونهم والاهتمام بالأمور الخاصة ..
4ـ السلطة الأفضل ..
أرضنا واسعة الأرجاء وهي شبه قارة ومناخها متنوع، ولهذا يجب أن نلغي المركزية الحالية التي جنت علينا، والتي جلبت لنا التهاون والتسيب والخراب، ونسعى إلى أن تكون السلطة غير متمركزة في العاصمة على ساحل البحر، بل موزعة على مقاطعات أوولايات أوفدراليات غيرجهوية، حتى يسهل التسييرالحسن للموارد الطبيعية والبشرية وتعطى الحرية التامة للولاة- الذين يستحسن أن يكونوا منتخبين - للمبادرة والتصرف الحر.
5ـ المواطن الفعال و تفاعله ..
إن الانسان الجزائري خير بطبعه واجتماعي ومتواصل مع غيره بالطبع، والتقاليد البالية في المجتمع والظروف الصعبة هي التي تعلمه الأنانية والعدوانية والسطو على حقوق الآخرين ..
ورموز اللادولة هم النموذج السيء الذي يقتدي به البواطن / البهسان في تصرفاته وأفعاله السلبية.
والدولة الراعية هي التي تعيد توطين "البهسان" ليشعر بالانتماء إلى موطنه، فتنمو معه روح المواطنة الحاسة السابعة التي تهديه مثل البوصلة إلى الاتجاه الصحيح في اطار التعاقد /التعاهد..
والتربية هي ا لوسيلة التي تربي المواطنين وتجعلهم مواطنين فعالين متشبعين بالقيم الحضارية الايجابية. والتربية الصحيحة ليست حشو عقول المواطنين بالمعلومات المجردة والمعارف الجوفاء بقدر ماهي تدريبات شاقة على الأفعال الايجابية ومن هنا تكمن أهمية التربية الحضارية وخطورتها فهي تطمح إلى التدريب وليس إلى مجرد التلقين الروتيني .. فهي تربية عملية وليست نظرية فقط. وبواسطتها يترعرع "البهسان" في بيئة سليمة ويتحول إلى مواطن يعرف واجباته وحقوقه آليا.. وهذه البيئة الحضارية الايجابية السليمة هي التي تجعل المواطنين بعد ذلك حين يولدون يتنسمونها مثل الهواء تماما. ولايكون "البواطن البهسان" مواطنا حتى ينزع بارادته أسمال "البواطنة" والبهسنة" دون اكراه.
ولايكون المواطن مواطنا فعالا حتى يتعاقد ويتعاهد. و يؤدي ماعليه من واجبات تجاه الآخرين لينال بعدها حقوقه.
ولاتتحدد وضعيته وموقفه في المجتمع إلا بعد أن يثبت نواياه الحسنة تجاه إخوانه في المجتمع. ويقر بأنه خادمهم المطيع. يسعد بسعادتهم ويتعس بتعاستهم ..
6المواطن الفعال المتفاعل هو حجر الأساس
الفرد "البواطن"/"البهسان" السوداوي، كائن غريزي تائه يعيش لنفسه هائما على وجهه لايعرف لماذا خلق ؟ ولايعرف رسالته في المجتمع ولايعرف قيمته الوجودية فهو أناني يرى في الآخرين شياطين ينافسونه قوته وملذاته، ولذلك ينظر إليهم نظرة مريبة ويمارس حريته المفرطة دون حسيب أو رقيب مهما لحق الآخرين من أضرار.. وعندما تمس حريته يثور ويسلك أي سلوك حيواني يخطر بباله..
و حين يتحول – في ظل الدولة الراعية - تدريجيا بالتربية والتعليم والتثقيف والتوجيه إلى مواطن متحضر أي: عندما يقررالتحكم في نزواته ليتكيف مع الجماعة، ساعتها تبقىالمرحلة الأعلى وهي: مكانة المواطن الفعال.. لأن الفعالية هي حجر الأساس أي عندما يعي المواطن الفعال وجوده ورسالته ومسؤوليته، فيتعاقد ويتعاهد حتى لا يخلل بدوره، لينسجم مع عناصر المجتمع ويشكل معهم جدار الدولة المتين.. وهكذا يصبح لهذا المواطن الفعال واجبات يؤديها بسعادة لبقية المواطنين، ليجني بالسعادة نفسها حقوقه منهم ..
إن جماعة المواطنين الفعالين لاتبخس حق المواطن الفعال ولاتضطهده ..
وبدوره، يجب على المواطن الفعال، أن يحترم جماعة المواطنين الفعالين ولايتمرد عليها. إن أهمية هذا المواطن الفعال تكمن في التواصل والتفاعل والربط بين أعضاء الجماعة ولذلك يصبح حلقة في سلسلة ..
ومن هذه الوظيفة الاجتماعية تنبع أهميته ولكنها أهمية نسبية وليست مطلقة لأنها خارج هذا الاطار ليس لها أي معنى اجتماعي أو حضاري .
7ـ الدورالحضاري للمواطن الفعال في الدولة الراعية
هو دور فعال ونشيط، يتميزبالتواصل والمشاركةوالمسؤولية، ويبتعد عن القدريةو السلبية والاستسلام. فالبهسان الذي يعيش لنفسه يعيش ليأكل ويحقق غرائزه ويتهافت على الحياة والشهوات ويهتم بالمظاهر ويهمل جوهر الأشياء. فهو إذا كائن مكدس مدنس.
مامعنى أن تكون غنيا في وسط فقير، إذا لم ينتفع ذلك الوسط من غناك فأنت فقير أيضا ؟ مامعنى أن تكون متعلما في وسط جاهل، إذا لم ينتفع من علمك ذلك الوسط فأنت جاهل أيضا ؟
مامعنى أن تكون نظيفا في وسط وسخ، إذا لم تساهم في تنظيف محيطك فأنت وسخ أيضا ؟
حين يلقن البهسان مبادىء التربية الحضارية يصبح انسانا عاقلا راشدا واعيا، ومواطنا في الوقت نفسه. حيث يتخلى تدريجيا عن السلوكات القديمة ويكتسب سلوكات جديدة ايجابية تساعده على التواصل الاجتماعي الجيد والربط بين أعضاء الجماعة داخل المجتمع.. ولما يتعاقد ويتعاهد المواطن، ويصبح مدركا لواجباته فيقوم بها دون حسيب أوا كراه، ويدرك حقوقه فيحصل عليها بيسر وكرامة دون أن يحول بينه وبينها حائل.. ساعتها يكون قد أدرك المرحلة الأرقى بين الجماعة وأصبح مواطنا فعالا مسؤولا..
هناك تشابه بين قانون المرور وقانون الدولة الراعية. فالسائق يختزل الرموز والاشارات في دماغه وعندما يسوق السيارة فهو مجبر علىاحترام تلك الرموز والاشارات حتى لو كانت الطريق خالية وبالتالي يحفظ نفسه ويحفظ غيره من أى خطر محتمل ولذلك يجب أن تصبح قوانين الدولة الراعية رموزا دالة حاضرة في ذهن المواطن الفعال، عبارة عن اشارات وتنبيهات آلية دون اللجوء إلى جهاز بيروقراطي ليفرضها على المواطنين ..
إن الانسان الحضاري الجديد هو الذي يبني المجتمع ويساهم في دفعه إلى الأمام ويحقق له السعادة، وطموحه الأكبر أن يصبح المواطن الفعال /المواطن الايجابي الخدوم الذي يسمو بنفسه ويتخطى أنانيته ليصبح في خدمة الآخرين وهو حين يوفر الراحة للآخرين يحقق راحته وحين يوفرالسعادة للآخرين يحقق سعادته في الوقت نفسه .
إن المواطن الفعال هو من يقوم بعمله بجد واتقان حتى يقدم خدمة للمواطنين ولايتسبب في تعطيل مصالحهم أو احباط عزائمهم أو حرمانهم من أي حق من حقوقهم المشروعة. ويجب أن يكون الاحساس بالخدمة نابعا من أعماقه وممزوجا بالسعادة نفسها التي يحصل بها على حقوقه، وليس رياء أو خوفا من المسؤول أو الرقيب ..
إن الوعي الحضاري للمواطن الفعال يجعله دائما مسؤولا عن أفعاله الحرة ومسؤولا عن الجماعة التي ينتمي إليها ويربطه بها عقد أمان وتعهد وفاء. فقبل أن يقدم على فعل ما، مهما كان نوعه، وجب عليه أن يتريث ويحسب ألف حساب. فإذا كان فعله يسىء إلى مواطن فعال واحد فقط، الأولى والأحسن أن يتخلى عن فعله لأن قيمة ذلك المواطن الفعال أكبر بكثير من أن يسىء إليها عضو من الجماعة ويعتبر ذلك تعديا على العقد المبرم وخروجا على مبادىء الدولة الراعية .
8 المواطن الفعال و أناه.
على الكائن "البواطن"/"البهسان" أن يرتقي بنفسه إلى مستوى تطلعات المجتمع الجديد لتحقيق الشروط من أجل التعايش الاجتماعي- الحضاري بين الأفرا د ولذلك يجب أن يضبط نزواته وشهواته ويتحكم في نفسه ويتسامى عن الدناءة والرذيلة ليرتقي إلى درجة المواطن المتحضر، وهوالمواطن الشريف والنبيل والكريم والخدوم "خدام الرجال سيدهم ".
وفي هذه المرحلة يصبح المواطن حلقة الوصل بين مرحلة "البهسان" الأدنى و مرحلةالمواطن الفعال الأسمى ..
لأن المواطن الفعال ساعتها يصبح هو روح الدولة الراعية. يعمل في كل مكان حيثما وجد من أجل الآخرين وهو في نهاية المطاف يقطف ثمار الرعاية، لأنه بكل بساطة يصبح الضمير الحضاري المتقد الذي يهدي نفسه قبل أن يهدي الآخرين .
9 الواجب الحضاري في الدولة الراعية.
عندما يتخلى البهسان عن سلبيته، ككائن غريزي يجهل وجوده وغائيته ومصيره، ويقررالتحول - بارادته - إلى إنسان حضاري استجابة لدولته، يبني ويعطي جهده ووقته للآخرين اخوته في المشروع الحضاري الجديد الذي يكفل للجميع الراحة والسعادة عندها وعندها فقط، يثبت جدارته ويصبح هونفسه المواطن الفعال، محرك الدولة وثمرة الدولة الراعية.
إن المواطنين في الدولة الراعية يقيمون من حيث الفضيلة والعلم والخبرة والفعالية وهذا المقياس هو الوحيد لرفعهم درجات في السلم التراتبي الاجتماعي وتقلدهم المسؤوليات.
إن خرافة العدالة الاجتماعية التي رفعتها بعض الفلسفات، خلقت مع الزمن "النذالة" الاجتماعية، التي كبحت الارادة الإنسانية وحاولت أن تسوي بين الفعالين وغيرهم من الخاملين وهذه الايديولوجية العقيمة حطمت مجتمعات كثيرة كانت قادرة على بناء نفسها وتحقيق الرفاهية لأبنائها، لأنها ايديولوجية اتكالية سحقت كل المبادرات وأفرزت أسوأ القيم و السلوكات التي تحط من قيمة وكرامة الإنسان ..
إن الواجب الحضاري يفرض على المواطن الفعال الكريم بطبعه المتفاعل مع جماعته أن يأخذ ما له وما يستحقه، ولايفرط فيه مهما كان. ولايأخذ، مهما كان، ماليس له وما لايستحقه.لأن الأخلاق الحضارية الايجابية هي التاج الذي يضعه إنسان الدولة الراعية / المواطن الفعال على رأسه الشامخ، وأما بقية التيجان فهي زائفة.
ولهذا فإن الدولة الراعية هي التي تسوي بين المواطنين في الفرص وتقيم كل واحد حسب فضيلته وعلمه وخبرته وفعاليته وهذا أصل التفاوت الحقيقي بين المواطنين وليس شيئا آخر. والمواطن الفعال هو من يقدم ماعليه ويأخذ ماله، ويترك ماليس له لغيره .
10الدولة الراعية وبقيةالدول ..
تحترم الدولة الراعية بقيةالدول في اطار القانون الدولي الذي يراعي المساواة والعدالة. والمواطن الفعال يرفض التدخل في شؤون الآخرين كما يرفض أن يتدخل في شؤونه الآخرون. لأنه يطمح أن يبني دولة الرخاء.. وهذا لايعني أن التقوقع مصير الدولة الراعية لأنها تتفاعل مع الجيران مغاربيا وافريقيا وعربيا واسلاميا وآسياويا ومتوسطيا وعالميا وتبحث عن أقطاب فاعلة قادرة على كسر شوكة الأحادية الجديدة المتزعمة لامبراطورية الهيمنة و مسالمة تخدم العنصر البشري وتحفظ السلم العالمي.
ويبقى الحوار أفضل وسيلة للتفاعل والتواصل والتفاوض بعيدا عن القوة والغطرسة أو المسكنة والذل .
كتبها كمال قرور كاتب وصحفي في 05:45 مساءً ::




الاسم: كمال قرور كاتب وصحفي


